رفع الجمهور المغربي لشعار “سير.. سير”، أثناء تشجيعه للمنتخب المغربي خلال كاس العالم الأخيرة، لم يكن شعارا عابرا بل كان شعارا حقيبة، إنه بكل بساطة دعوة للعمل والدعوة إلى السرعة وبالتالي رفض للجمود والبطء والروتين والكسل. هذا الشعار كان رسالة مشفرة للطبقة السياسية المغربية، مفادها أن الجماهير اليوم في حاجة إلى نخب القطار السريع والنخب الأرانب والنخب التي تتقن كيفية الضغط على دواس السرعة وليس النخب التي تشتغل ورجلها على الحصار أو نخب “التيتانيك” أو النخب السلحفاة.

اللعب مع الكبار ومع المنتخبات العالمية والفوز عليها، كان رسالة كذلك للطبقة السياسة مفادها أن المغرب من المفروض أن يشتغل عالميا وبالتالي عليه أن يمتلك التصميم والجرأة في الانفتاح ومقارعة الكبار، وعليه أن يطمح للركوب في قطار الدرجة الأولى وعدم الاقتناع بالسفر في الدرجة الاقتصادية.

الانتصار على الفرق الكبرى كان رسالة واضحة على أن الجيل المغربي الجديد هو جيل -الأبطال- جيل الأبطال التي أرادت أن تسوق نفسها كرموز لهذا الوطن المبدع والمبتكر، وهو كذلك جيل التحديات والانتصارات والجيل الذي يفضل التحرك ضمن الكوكبة الأولى على المستوى العالمي.

الفرحة العارمة التي اجتاحت الوطن كان دفعة قوية كذلك لاستراتيجية الإصلاح التي ينهجها المغرب ورسالة قوية من أجل الرفع من وتيرتها (سير.. سير)، كما أن هذه الفرحة العارمة تعتبر مفيدة للطبيعة والنوعية السياسية للإصلاحات المطلوبة، وفي هذا السياق تؤكد السوسيولوجية إيفا ايلوز على أن “الخوف هو شعور يحرك الأمور السياسية في اتجاه رقعة الشطرنج اليمينية” ولكن الفرح من المفروض أن يوجه ويشجع ويسند الإصلاحات التي تحرك الأمور نحو الاجتماعي والحداثي، الفيلسوفة نفسها ستؤكد في العدد الأخير من مجلة الفلسفة (دجنبر 2022) أن السياسة تتفاعل إيجابيا مع المشاعر الجماعية، وبالتالي من المفروض استثمار الفرح الجماعي من أجل تسريع الإصلاحات الحداثية.

الشعار المركزي الذي رفعه الجمهور المغربي واطر من خلاله التشجيع المتواصل للفريق الوطني والمتمثل في (سير.. سير)، يعني اننا لسنا في صراع مفتوح على مربع الحكم بل نحن نبحث عن الفعل من داخل السلطة وبالتالي الجمهور المغربي انتقل إلى المطالبة بتسريع الإصلاحات وفعالية هذه الإصلاحات.

1- شعار “سير.. سير” يؤكد للمتتبع (الداخلي والخارجي) أن المغرب قد انتقل من الزمن السياسي المشغول بالصراع على السلطة إلى الزمن السياسي المهتم بكيفية ممارسة السلطة

شعار (سير..سير) هو تأكيد على أن الصراع اليوم في المغرب هو من داخل -مظلة ممارسة السلطة- أستاذ القانون العام الفرنسي جورج بيردو في كتابه الدولة، سيؤكد أن النشاط السياسي يتمحور “حول هدفين أساسين (الصراع على السلطة وممارسة السلطة)”، وإذا كان تاريخ المغرب السياسي بعد الاستقلال محكوما ومتمحورا حول أولوية الصراع على السلطة، إلا أن مرحلة التناوب قد أغلقت قوس استراتيجية الصراع على السلطة وفتحت الباب على مصراعيه في المغرب أمام أهمية ومحورية استراتيجية -ممارسة السلطة-.

الالتفاف الجماهيري حول النتائج الإيجابية للفريق الوطني وتمجيد هذه النتائج من خلال الشعارات التي ترسخ الوحدة والتماسك والتفاؤل، كان تأكيدا كذلك لما قاله الباحث غاستون برجي، الذي أكد أن الانتقال من استراتيجية الرهان على السلطة إلى استراتيجية الدولة كفاعل، تؤكد أن الدولة تشتغل وعليها أن تواصل الاشتغال من أجل العمل على تذويب الخلافات والانقسامات الحادة داخل المجتمع، لأن في نظره كل الطبقات توجد في المركب نفسه (الكاتب حاول ضمنيا الرد على أطروحات كارل ماركس المتعلقة بصراع الطبقات).

الإحساس بأننا داخل مجتمع واحد هو إحساس بأننا نركب نفس المركب (وفي هذا السياق يمكن فهم خطاب الملك الراحل عندما تحدث عن أن المغرب، أي السفينة التي يركبها الجميع مهددة بالسكتة القلبية أي مهددة بالغرق وبالتالي علينا جميعا أن نتجاوز الانقسامات وننتقل من استراتيجية الصراع على الدستور إلى استراتيجية الاشتغال داخل الدولة كفاعل)، وبالتالي فإن الصراع يجب أن يبقى داخل المركب، مما يعني الحاجة إلى تحديث وتجديد الإطار العام الذي ينظم دور الدولة كفاعل، لأن وحده تطوير دور الدولة كفاعل من يلغي الصراع على الدولة كرهان وبالتالي أزمات الانقسام والصراعات الحادة داخل الدولة. الاشتغال من داخل الدولة كفاعل يحتم التوفق في ما يطلق عليه: هضم الحركية التي يعرفها المجتمع.

هضم الحركية التي يعرفها المجتمع يتطلب العمل من خلال ثنائية (النظام-الحركة) مما يجعلنا أمام نوعيين من السلطة، السلطة النظام وهي السلطة التي تقود المجتمع من خلال الاكثار من استعمال حصار السرعة، و-السلطة الحركة- وهي السلطة التي تفضل الدوس على ما يطلق عليه -دواس السرعة-، الجماهير المغربية من خلال مركزية شعار “سير.. سير” كانت تطالب وتلح على خيار الضغط على “دواس السرعة”، وبالتالي التموقع أساسا تحت سقف -السلطة الحركة-.

2- الشعار المركزي “سير.. سير” هو دعوة إلى ترسيخ ما يطلق عليه “البيو-سلطة”

مطالبة الجماهير بشعار “سير-سير”، والتركيز على السرعة في اللعب والفعالية من خلال تحقيق النتائج، كان يعني بالنسبة للأكاديمي والسياسي والباحث أنه يجب العمل بشكل حثيث على تحديث فن الحكم. فن الحكم وحسب ميشيل فوكو هو مجموعة من التطبيقات والتقنيات والاستراتيجيات.

شعار “سير.. سير” كان دعوة صريحة للجميع إلى إعطاء الأولوية للمربع المهتم بكيفية اشتغال السلطة، وفي هذا السياق يتم تركيز الاهتمام في فن الحكم على ما هو أبعد من مربع المؤسسات، من أجل الاهتمام بما يطلق عليه تكنولوجية السلطة، من خلال الخروج من إطار المهمة والمشاكل الداخلية المرتبطة بها إلى الاهتمام بالتجليات الخارجية للاستراتيجيات والتقنيات والتطبيقات.

مطالبة الجماهير المغربية بالعمل من أجل تحقيق نتائج ملموسة على الأرض من خلال الإرادة القوية، يذكرنا بنظرية الفيلسوف الألماني إرتير شبنهاور وتأكيده على ثنائية العالم كتمثيلية والعالم كإرادة، من خلال كأس العالم الأخيرة كانت المباريات تؤكد على معطى الإرادة لدى الفرق، وبالتالي كانت رسالة واضحة للمهتمين على أن التركيز في المستقبل سيكون على صورة -العالم كإرادة-.

التركيز على فكرة -العالم كإرادة- (امتلاك الإرادة التي تمتلكها الفرق من أجل الفوز) كان يثبت أن المجتمعات التي تتطور وتتقدم هي المجتمعات التي تجاوزت شكل المجتمعات حيث القانوني هو الوحيد الذي يمتلك شيفرة فتح نظام التمثيلية.

وبالتالي فإن هذه المجتمعات تجاوزت الصورة المرتبطة بما يطلق عليه -السلطة القانون- و-السلطة السيادة-، والذي عمل منظرو القانون والمؤسسة الملكية في أوروبا على رسمها، إلى الانتقال مربع تحليل للسلطة حيث لا يؤخذ القانون كنموذج وكمفتاح.

نظرية الفعل السياسي انتقلت من -السلطة القانون- و-السلطة السيادة- إلى الاعتماد على العلاقة بين -الحاكمين والمحكومين-.

الفيلسوف الفرنسي جيوم دولابريير، الذي عاش في القرن السادس عشر سيؤكد أننا- نحكم الاشياء، من أجل قيادتها إلى الأهداف الجيدة، العيش الكريم – الأمن – التعليم – الصحة -الرفاهية، الحكومة ليست هي الأرض بل هي شيء معقد متكون من الإنسان والأشياء.

التشجيع المستمر للفريق الوطني، كان رسالة واضحة من الجمهور على أن الأهم والأساسي هو العلاقة ما بين ثنائية، الحاكمين والمحكومين، وهنا نستحضر ما سماه -ميشل فوكو- “البيو سلطة”.

3- المرتبة الكروية الرابعة عالميا هي رسالة إلى الطبقة السياسية مفادها أن المغرب ليس صغيرا لكي لا يفكر عالميا

تحقيق المنتخب المغربي للرتبة الرابعة عالميا وإقصاؤه لمنتخبات عالمية، كان إشارة قوية على أن المغرب ليس صغيرا لكي لا يفكر عالميا، وبالتالي فإن العقل السياسي المغربي عليه أن يستوعب الدرس، وكما قال الفيلسوف الآن “عليك أن تجري سريعا وتكون في المقدمة”، الإرادة التي تمتع بها الحارس المغربي وهو يصد ضربات الجزاء وكذلك القوة والذكاء الذي سجل به المهاجمون المغاربة كانت درسا للطبقة السياسة، على أن الإرادة والسرعة والقوة هي المفتاح، لكي يتمكن المغرب من حجز مقعده بين الكبار.

السياسي الفرنسي ريجس دوبري سيؤكد مؤخرا أن “فرنسا ليست صغيرة لكي لا تفكر عالميا، ولكنها ليست كبيرة لكي تؤثر على العالم”، المرتبة الرابعة عالميا كانت رسالة واضحة للطبقة السياسة من أجل شحذ الهمم والرفع من السرعة والاعتماد على الكفاءات، من أجل تطبيق استراتيجية أن المغرب ليس صغيرا لكي لا يفكر عالميا، وكانت تعني كذلك أن المغرب من المفروض أن يسافر بالدرجة الأولى.

من خلال المباريات التي خاضها الفريق الوطن، في كل دقيقة هناك مجهود (دفاع-هجوم) وكل لحظة هناك افتكاك للكرة أو مراوغة أو فنية أو خطة ثنائية أو جماعية تمنح التناسق للمجموعة، وبالتالي لا مجال للكسل ولا مجال للروتيني ولا مجال لعمل لا يعطي نتيجة فكل فشل له نتيجة فورية بعد المقابلة، كل هذا كان رسالة للمؤسسات لتقطع مع الروتين والكسل والبطء وغياب النتائج.

من خلال السرعة والعمل الفردي والجماعي والنتائج الإيجابية، كان الفريق الوطني يطبق استراتيجية مؤسسة “نتفليكس”. الصحفي رومان جيبير سيؤكد أن الجديد والجميل في حلقات “نتفليكس”، أن كل ثلاث دقائق تحمل الجديد، يحدث شيء غير متوقع، سباق-متابعة، انتقام، قتال، تراجيديا، المهم أنه في عالم “نتفليكس” ليس هناك مجال للروتيني والعادي.

لم تكن استراتيجية “نتفليكس” بعيدة عن طريقة أداء الفريق الوطني، هذا الأداء من المفروض أن يشكل درسا للطبقة السياسية المغربية، لحثها على الانتقال من استراتيجية -العقل المنتظر- إلى استراتيجية -العقل المسرع- واستراتيجية -العقل المبدع والعقل المبتكر- الشبيه بالعقل الكروي البطل.

4- الفريق الوطني يمنح دفعة قوية لاستراتيجية “الحرب ضد التأخير”

الشعار المركزي الذي رفعه الجمهور المغربي في كأس العالم، “سير.. سير”، كان يعني أنه زمن الحركة زمن الفعل زمن السرعة زمن اللحاق بالآخر، وأنه كفانا كسلا وكفانا من الروتيني ومن اليومي ومن العادي، ويجب القطع مع اقتصاد الريع والانتقال إلى اقتصاد العمل والابتكار، الشعار في حقيقة الأمر كان دعما قويا لاستراتيجية -الحرب ضد التأخير-.

الحرب ضد التأخير هو المصطلح الذي استعمله السياسي بنجمان بريس الذي طالب بتجاوز المقاربات التي كان يتم الاعتماد عليها في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي من خلال الحديث في التجارب الدولية عن استراتيجيات -تفعيل تنافسية البلد-.

شعار “سير.. سير” لم يكن فقط دعوة لتسريع الحرب ضد التأخير، بل وكان كذلك دعوة لفتح الحرب مع أصحاب استراتيجية -الحق في الكسل – داخل البلد، لأنهم لا يتوافقون مع استراتيجية الحرب ضد التأخير.

تبني استراتيجية -الحرب ضد التأخير- يعني تحديث ثنائية (السلطة-المهام)، وتعني أن السلطة في عالم اليوم هي نوع من القوة الهادئة وهي أقرب إلى -الرفع إلى مستوى-.

وبالتالي أكثر ارتباطا بالعمليات التي تستهدف الانتقال من الأسفل إلى الأعلى، (شعار سير.. سير)، السلطة اليوم هي خيط رفيع يمر بين ثنائية (الشطط في ممارسة السلطة – الضعف في ممارسة السلطة) وبالتالي بين السلطة المتجبرة (والتي ينتج عنها فقدان ثقة المحكومين) والسلطة الضعيفة (التي ينتج عنها اللاقرار- الضبابية – الضعف). شعار “سير .. سير” كان دعوة لترسيخ السلطة التي تمتلك الإرادة القوية من أجل التوجه نحو المستقبل.

5- المنتخب الوطني وما يطلق عليه الجيل -ز-

يعود الفضل للأمريكيين، ويليام ستروس ونيل هو في اختراع ما يطلق عليه نظرية الأجيال، الباحثان في العلوم الاجتماعية أطلقوا على المواليد الذين ولدوا ما بين 1995و2009، الجيل -ز-، أصحاب هذه الجيل يطلق عليهم كذلك الجيل الرقمي، أو الجيل الذي ولد في عالم الأنترنيت وبالتالي الجيل الذي يعمل على تغيير المجتمع من خلال طريقة تفكيره وطريقة استهلاكه وطريقة عيشه، كما قال عنهم الفيلسوف ميشيل سيرز.

انتماء معظم لاعبي الفريق الوطني الى الجيل -ز-، الجيل البعيد عن معارك الاستقلال ومعارك تحديد مستقبل الوطن بعد الاستقلال ومعارك الصراع على السلطة ومعارك مغرب الرصاص ومعارك مغرب التناوب، كان فرصة للمتتبعين لاستكشاف ملامح هذا الجيل المغربي المولود في عصر العالم الرقمي.

من خلال شعار “سير.. سير”، ومن خلال الارتباط بالأسرة ومن خلال الدفاع عن ألوان الوطن بقوة ومن خلال العمل الاجتماعي لبعض عناصر الفريق الوطني، ورفض إدخال معادلة العطاء في الملعب إلى قانون السوق (من خلال تأكيد كل لا عبي الفريق الوطني أنهم لن يناقشوا التعويضات)، أثبت هذا الجيل أنهم ليسوا جيل الريع والبحث عن الوضعيات وأنهم ليسوا جيل الأنا بل جيل الجماعة.

الاهتمام بما يجري الآن والاهتمام بما سيجري في المدة الزمنية القصيرة (90 دقيقة القادمة، زمن المباراة)، أراد من خلاله الجيل -ز- إعطاء دروس قوية على أن اهتمامهم مركز على ما يعيشه الناس، وبالتالي فهم لا يهتمون كثيرا بالمعارك المتعلقة بالفوارق بين الرأسمال والعمل والأرباح والمالكين والمحرومين من الملكية (كما تفسر ذلك النظرية الماركسية الكلاسيكية)، بل إن الجيل -ز- يهتم أكثر بالقضايا التي ما زالت تعيشها مجتمعات الأزمة والتي تتطلب التدخلات السريعة والآنية ومشاكل اليومي والاجتماعي.

الجيل -ز- هو جيل مهتم أكثر بالقواعد المرتبطة بالعمل في الملعب مثل: التقييم الحقيقي للاعبين، رفض المحاباة، البقاء للأكفأ، استبدال اللاعبين الذين يتهاونون أو الذين لا ينفذون الخطط الجماعية، وبالتالي كان الفريق الوطني يؤكد أنه جيل غير مهتم بمعارك الماضي، وأنه أكثر ارتباطا بقضايا الحاضر، كما أنه أكثر ارتباطا بالمهام المطلوبة من الديمقراطية والمتمثلة في التقييم، التداول، المراقبة، السوسيولوجي بيير روزنفلون سيؤكد على أن المطلوب من أجل تطوير الديمقراطية ليس تشجيع المشاركة، ولكن المطلوب اليوم هو ما أطلق عليه المهام المطلوبة من الديمقراطية- مثل التقييم – التداول – المراقبة، والمطلوب كذلك هو مأسسة أجهزة الحكامة والعمل على ترسيخ الشفافية في الحياة العامة.

كما أن الفريق الوطني كان يؤكد انحيازه للديمقراطية التي تترسخ من خلال الاهتمام بما يعيشه الناس وبديمقراطية النتائج، وبالتالي كان يعلن انتصاره للاستراتيجية التي تعتمد على الإنجازات الفورية والملموسة من داخل استراتيجية -زمن الحكم-.

الاستقبال الشعبي الذي خصص للفريق الوطني والشعبية الكبيرة التي يتمتعون بها في الداخل والخارج، كانت تثبت أنهم ليسوا في حاجة لتقديم أنفسهم فإنجازاتهم الكروية تحكي عنهم، هذه الشعبية هي نتيجة لأن الناس العاديين وغير العاديين يصنفونهم كأبطال، ويمكن أن نطلق عليهم كذلك التسمية التي أطلقها الفيلسوف افلاطون في كتابه السياسة -الرجال الملكيين- وبالتالي وإذا كان تاريخ الحضارات قد أخبرنا عن وجود الكثير من الرموز الوطنيين (المحاربين-المقاومين-الرحل-الفنانين-المثقفين-الخبراء-الأبطال..)، فإن الشعبية التي يتمتع بها اليوم الأبطال الكروين من الجيل -ز-، تتفوق على الباقي وتفتح التحدي أمام الجميع من أجل الاجتهاد والارتباط بالقضايا التي توحد وتجمع وتقدس العيش المشترك، أي القضايا التي تكتسح دون استئذان الذاكرة الشعبية.

الخلاصة

الفريق الوطني أعطى صورة عن وطن موحد ووطن يتطلع للمستقبل ووطن يدرك أن النتائج مرتبطة بالعمل الشاق والمتواصل.

قال جون دو لا فونتين: “كل قوة هي ضعيفة إلا إذا كانت موحدة”، هذه القوة ليست مرتبطة فقط بالاختيارات التقنية بل هي مسألة ثقافة عقلية تنبع من الداخل الجماعي، هي الإرادة القوية من أجل الاستمرار الجماعي وهي كذلك إرادة لنقل شيء ما للعالم، اللغة نظرة للإنسان وموقعه في الدولة، الروابط العائلية، الانفتاح على الحضارات هي كذلك رفع العلم الوطني خفاقا في المحافل الدولية.

المساندة المطلقة للفريق الوطني والتي تتجاوز معطى الانقسامات التي تعرفها المجتمعات الحديثة، كانت تؤكد أن الانتماء إلى الوطن يبقى مرتبطا بالخطوط العاطفية الأكثر حميمية بداخلنا وبالتالي بذواتنا وبعرقنا وبلغتنا وبديننا وبالذكريات المشتركة، ولكن كل هذه المعطيات سيكون تأثيرها ضعيفا إن لم تكن مترسخة في وعينا الجماعي، وبالتالي وكما قال جورج بيردو، الوطن يوجد في العقل وليس الجسد. كما أن هذه الانتصارات الكروية توقظ بداخل المغاربة (وغالبية الشعوب) ذلك الشخص الجماعي من خلال ما نحب جميعا، استيقاظ الشخص الجماعي هو الذي يرسخ وحدة الأوطان، التراث الروحي الذي يوحد الأوطان والذي يتجسد أكثر كرويا.

خطيب الثورة الفرنسية مورابو، سيؤكد على أن العقل يعطي الفكرة عن الأوطان، ويضيف أن ما يمنح هذه القوة العاطفية تجاه الأوطان هي تلك الأحلام الجماعية، لأن الوطن هو استمرار الحلم وهو أن تكون الجماعة المشكلة للوطن اليوم ما كانت هذه الجماعة سابقا، أي التضامن الجماعي من خلال الأفئدة ومن خلال الذكريات المشتركة، فهل يتعلم المجتمع السياسي من الدروس المجانية التي قدمها له المجتمع الكروي؟ هذا ما نتمناه كمتفائلين.

By admin

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

}